فتح يوسف دفتر حساباته قبل موعد زكاته بأيام، ووجد نفسه أمام رقمين متناقضين: خمسة آلاف درهم أقرضها لأخيه منذ سنتين ولم تُرد بعد، وقسط سيارة لا يزال يسدده كل شهر. سأل نفسه السؤال الذي يتكرر عند كل صاحب مال تقريباً في موسم الزكاة: هل أزكي المال الذي عند أخي رغم أنه ليس في يدي؟ وهل أطرح قسط السيارة من حسابي قبل أن أزكي؟
الإجابة ليست “نعم” أو “لا” مطلقة، بل تعتمد على نوع الدين، وحال المدين، وتاريخ استحقاق السداد. في هذا الدليل ستفهم بدقة كيف تُصنَّف الديون شرعاً من ناحية الزكاة، وكيف تحسب زكاة الديون بنفسك خطوة بخطوة، مع مثال عملي بأرقام حقيقية.
الجواب السريع
- الدين الذي لك عند الآخرين يُقسَّم إلى دين قوي (مدين قادر وملتزم) تجب زكاته كل سنة، ودين ضعيف أو معدوم (مدين معسر أو مماطل) لا زكاة عليه إلا عند القبض، وحينها تزكيه سنة واحدة فقط.
- الدين الذي عليك يُخصم من وعاء زكاتك، لكن فقط الجزء المستحق السداد خلال السنة الحالية، وليس القرض طويل الأجل بأكمله.
- النصاب المعتمد لزكاة النقود والديون يعادل 85 جرام ذهب أو 595 جرام فضة، وكثير من الهيئات الشرعية المعاصرة ترجّح معيار الفضة لأنه أخفض وأنفع للفقراء.
إن كنت تريد الرقم بسرعة وتثق بتصنيف دينك، انتقل مباشرة إلى كيف تحسب زكاة الديون عملياً. أما إن كنت غير متأكد من نوع دينك، فابدأ من الفقرة التالية.
مصطلحات سريعة قبل أن نبدأ
هذا المقال يستخدم بعض المصطلحات الفقهية التي قد لا تكون مألوفة، فإليك معناها ببساطة قبل أن تكمل:
| المصطلح | معناه ببساطة |
|---|---|
| مليء | عنده المال فعلاً، أي قادر على السداد لو طُلب منه |
| باذل | مستعد يدفع فوراً، ما يماطل ولا يتهرب |
| مليء باذل | مجتمعين: شخص عنده المال وهو مستعد يرجعه لك متى طلبت |
| معسر | فقير فعلاً، ماله ما يكفي يسدد الدين حالياً |
| مماطل | عنده المال لكنه يسوّف ويؤجل بلا سبب مقنع |
| جاحد | ينكر أصل الدين، يقول “ما اقترضت منك شيء” |
| بيّنة | دليل يثبت الدين، مثل ورقة أو إقرار مكتوب أو شهود |
| دَين حالّ | مستحق السداد الآن أو خلال هذه السنة |
| دَين مؤجَّل | موعد سداده لم يأتِ بعد (سنوات قادمة) |
| الحول | مرور سنة هجرية كاملة على امتلاك المال |
| النصاب | الحد الأدنى من المال الذي تجب فيه الزكاة |
ما الفرق بين الدين الذي لك والدين الذي عليك في حساب الزكاة؟
قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من التفريق بين حالتين مختلفتين تماماً من ناحية الأثر على الزكاة:
الحالة الأولى: أنت الدائن. لديك مال عند شخص آخر — قرضت صديقاً، أو بعت بالتقسيط، أو لك مستحقات متأخرة عند عميل. السؤال هنا: هل هذا المال المحتجز عند الغير يدخل في وعاء زكاتك كأنه في يدك؟
الحالة الثانية: أنت المدين. عليك دين لغيرك — قرض بنكي، سلفة من صديق، فواتير مؤجلة. السؤال المعكوس: هل يجوز أن تطرح هذا الدين من إجمالي أموالك قبل حساب الزكاة، فتقل الزكاة المستحقة عليك؟
هاتان الحالتان تخضعان لضوابط مختلفة تماماً، وأكثر الالتباس الذي يقع فيه الناس عند حساب زكاة الديون سببه الخلط بينهما، فيظن بعضهم أن كل دين له معفى من الزكاة، أو أن كل دين عليه يُخصم بالكامل — وكلا الافتراضين غير دقيق.
| إن كان لك عند الآخرين | إن كان عليك لغيرك | |
|---|---|---|
| الأثر على الزكاة | يُضاف إلى وعاء زكاتك بشروط | يُخصم من وعاء زكاتك بشروط |
| الشرط الأساسي | حال المدين (قادر/معسر) | تاريخ الاستحقاق (هذا العام أم لاحقاً) |
| الخطأ الشائع | ظن أن كل دين معفى لأنه “مو موجود عندي” | خصم القرض بالكامل بدل قسط السنة فقط |
الدين الذي لك عند الآخرين: هل تجب فيه الزكاة؟

الفقهاء المعاصرون، استناداً إلى ما ذهب إليه جمهور فقهاء المذاهب الأربعة، يقسّمون الدَّين الذي تملكه عند غيرك إلى نوعين رئيسيين.
الدين القوي (على مليء باذل)
“مليء باذل” تعني ببساطة: المدين معه المال (مليء) وهو مستعد يرجعه لك فوراً لو طلبت (باذل) — يعني لا هو فقير ولا هو مماطل. مثاله قرض بيد صديق موثوق أو مستحقات لدى شركة ملتزمة بالدفع. في هذه الحالة، ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الزكاة تجب على هذا الدين كل سنة تمر عليه، حتى وإن لم تستلمه فعلياً، لأن وجوده عند شخص قادر وملتزم يجعله في حكم المال الحاضر بيدك. يمكنك أن تدفع زكاته من مالك الآخر سنوياً، أو أن تؤجل الدفع إلى حين استلام الدين ثم تحسب زكاة كل السنوات التي مرت عليه.
الدين الضعيف أو المعدوم
هو الدين الذي يكون المدين فيه معسراً حقيقياً (فقيراً فعلاً وما معه المال)، أو جاحداً للدين (ينكر أنه اقترض أصلاً) ولا بيّنة عليه (لا ورقة ولا شهود تثبت الدين)، أو الأمر معلّق بنزاع قضائي طويل. الرأي الراجح عند كثير من دور الإفتاء المعاصرة هو أن لا زكاة عليه أثناء فترة الانقطاع. وإذا استلمته بعد ذلك، تزكيه زكاة سنة واحدة فقط عند القبض، وليس عن كل السنوات الفائتة، لأن المال لم يكن في حكم المتاح لك طوال تلك الفترة. يمكنك الاطلاع على تفصيل هذه المسألة في فتوى دار الإفتاء المصرية حول خصم الديون المتعثرة من الزكاة.
هذا التفصيل مهم عملياً، لأن كثيراً من الناس يقرضون أموالاً لأشخاص يعلمون تماماً أنهم لن يستطيعوا السداد قريباً، ثم يظنون أنهم مطالبون بزكاة مبلغ لا يستطيعون حتى استرجاعه — وهذا خلاف الأصل الشرعي الذي يربط الوجوب بالقدرة الفعلية على التصرف في المال.
| نوع الدين الذي لك | مثال | هل تجب زكاته سنوياً؟ | متى تُزكّيه إن اختلف الأمر؟ |
|---|---|---|---|
| قوي (مليء باذل) | صديق قادر وملتزم، شركة تدفع بانتظام | نعم، كل سنة حتى القبض | — |
| ضعيف/معدوم (معسر أو مماطل) | مدين مفلس، أو جاحد بلا بيّنة | لا، حتى تقبضه | سنة واحدة فقط عند الاستلام |
الدين الذي عليك: هل يُخصم من وعاء الزكاة؟

هنا الاتجاه معكوس. إذا كان عليك دين لغيرك، فالمعيار المعتمد في أغلب الفتاوى المعاصرة، ومنها معيار زكاة الأسهم والسندات والصناديق الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) — الجهة الدولية المرجعية لمعايير المحاسبة الشرعية — هو أن الدين الحالّ (أي المستحق السداد خلال السنة الزكوية الجارية) هو الذي يُخصم من أموالك الزكوية قبل حساب النصاب والزكاة.
أما الدين طويل الأجل، مثل قرض عقاري مدته خمس عشرة سنة، فلا يُخصم بكامل قيمته المتبقية، بل يُخصم فقط قدر الأقساط المستحقة عليك خلال هذه السنة بالذات. المنطق هنا أن الزكاة تُحسب على وضعك المالي الفعلي في لحظة الاستحقاق، ولا يصح أن تُلغي زكاة سنوات قادمة بسبب دين لم يحن أجله بعد.
هذا التفصيل يفيدك كثيراً إن كنت تسدد قرضاً طويل الأجل، فلا تظن أن مديونيتك الكبيرة تُعفيك تلقائياً من الزكاة على مدخراتك الحالية. وإذا كنت تريد التعمق أكثر في إعادة ترتيب أولوياتك المالية أثناء وجود ديون، تصفح قسم إدارة الديون على الموقع كخطة عملية موازية لحساب الزكاة.
كيف تحسب زكاة الديون عملياً؟ خطوة بخطوة
- اجمع كل أموالك الزكوية النقدية: المدخرات، الحساب البنكي، الذهب المُدَّخر (غير المستخدم شخصياً)، الأسهم والصناديق المخصصة للتداول.
- أضف الديون القوية التي لك عند الآخرين بكامل قيمتها، طالما المدين قادر وملتزم.
- اطرح الديون الحالّة التي عليك، أي الأقساط أو المستحقات الواجب سدادها خلال هذا العام فقط.
- قارن الناتج بالنصاب (التفصيل في الفقرة التالية).
- إذا تجاوز الناتج النصاب، اضرب المبلغ في 2.5% لتحصل على قيمة الزكاة المستحقة.
إن كان لديك أيضاً راتب شهري أو أسهم ضمن أموالك، لا تحسبها بمعزل عن هذه الخطوات — اجمعها كلها في وعاء واحد. راجع تفاصيل كل نوع في زكاة الراتب الشهري وزكاة الأسهم والصناديق الاستثمارية.
مثال عملي (أرقام افتراضية لغرض الشرح)
نعود إلى يوسف: مدخراته النقدية 20,000 وحدة نقدية، وله دين قوي عند أخيه بقيمة 5,000، وعليه في المقابل سلفة شخصية يجب أن يسدد منها 3,000 خلال هذه السنة تحديداً (والباقي مؤجل لسنوات قادمة).
| البند | القيمة |
|---|---|
| مدخرات نقدية | 20,000 |
| + دين قوي له عند أخيه | 5,000 |
| − قسط السلفة المستحق هذا العام | 3,000 |
| = وعاء الزكاة | 22,000 |
| الزكاة المستحقة (× 2.5%) | 550 |
لاحظ أن السلفة لم تُطرح بكامل قيمتها، بل بقدر ما يجب سداده هذا العام فقط — وهذا هو جوهر الفرق بين الحساب الصحيح والحساب الخاطئ الذي يقع فيه كثيرون.
أي نصاب تعتمد عليه عند حساب زكاة الديون؟

النصاب المتفق عليه فقهياً هو ما يعادل قيمة 85 جراماً من الذهب عيار 24، أو 595 جراماً من الفضة. المشكلة العملية أن الفارق بين الاثنين كبير في وقتنا الحالي، لأن الذهب ارتفع بمعدلات أعلى بكثير من الفضة خلال السنوات الأخيرة.
للتوضيح، وبحسب بيانات أسعار الذهب في أوائل أغسطس 2026، بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 153 دولاراً أمريكياً، أي أن نصاب الذهب (85 جراماً) يقترب من 13,000 دولار. في المقابل، بلغ سعر جرام الفضة النقية عيار 999 نحو دولارين فقط، أي أن نصاب الفضة (595 جراماً) لا يتجاوز 1,200 دولار تقريباً.
هذه الأرقام تتغير يومياً، فتأكد دائماً من السعر الحالي عند الحساب الفعلي، ولا تعتمد على رقم ثابت من مقال — حتى هذا المقال. هذا الفارق الكبير جعل عدداً من الهيئات الشرعية المعاصرة، ومنها فتاوى منشورة على إسلام ويب وموقع IslamQA، تُرجّح اعتماد نصاب الفضة عند حساب زكاة النقود والديون، على أساس أن النصاب الأقل أنفع لمستحقي الزكاة. مع ذلك، هذه مسألة اجتهادية، وإن كنت متردداً في اختيار النصاب المناسب لحالتك، فالأفضل أن تسأل مفتياً موثوقاً أو مركزاً شرعياً معتمداً في بلدك.
إذا كان جزء من ثروتك على شكل ذهب مدخر لا تستخدمه، راجع أيضاً زكاة الذهب المستعمل للزينة لمعرفة الفرق بين ذهب الزينة والذهب المدخر من ناحية وجوب الزكاة.
الأخطاء الشائعة عند حساب زكاة الديون
- معاملة كل دين على أنه دين قوي: كثيرون يحسبون زكاة أموال أقرضوها لأشخاص يعلمون تماماً أنهم لن يستطيعوا السداد، بينما هذا دين ضعيف لا زكاة عليه إلا عند القبض.
- خصم الدين طويل الأجل بالكامل: مثل خصم كامل قرض عقاري متبقٍ عليه 10 سنوات، مع أن المعتمد هو خصم قسط هذه السنة فقط.
- تجاهل الديون التي لك تماماً: بعض الناس ينسون أن مالاً عند الغير قد تجب زكاته سنوياً، فيظنون أن غياب المال عن حسابهم البنكي يعني غياب الزكاة عنه.
- الخلط بين مصادر الوعاء الزكوي: إذا كان لديك دين مضاف إلى راتبك أو مدخراتك، احتسب الوعاء الكلي أولاً، ولا تحسب كل مصدر بمعزل عن الآخر.
- الاعتماد على نصاب واحد دون تبرير: اختيار نصاب الذهب أو الفضة عشوائياً دون معرفة الفرق الكبير بينهما في القيمة الحالية.
أسئلة شائعة عن زكاة الديون
هل يجب أن أزكي مالاً أقرضته لصديقي كل عام حتى يرجعه لي؟
إذا كان صديقك قادراً على السداد وملتزماً به، فنعم، يُعد ديناً قوياً وتجب زكاته سنوياً حتى تستلمه. أما إن كان معسراً حقيقياً أو مماطلاً بلا سبب مقبول، فالراجح عدم وجوب الزكاة حتى تقبض المال.
هل يُخصم قرض السيارة أو القرض العقاري بالكامل من زكاتي؟
لا، يُخصم فقط الجزء المستحق السداد خلال السنة الزكوية الحالية، وليس إجمالي المتبقي من القرض على مدى سنوات قادمة.
استلمت ديناً كان منقطعاً منذ 5 سنوات، كم سنة أزكي عنه؟
يعتمد على نوعه وقت الانقطاع. إذا كان ديناً ضعيفاً أو معدوماً طوال تلك الفترة، فالراجح أنك تزكيه عن سنة واحدة فقط عند القبض، لا عن الخمس سنوات.
هل الدين المؤجل الذي لم يحن أجله بعد تجب فيه الزكاة على من أقرضه؟
نعم إذا كان على مدين قادر وملتزم، فحلول الأجل ليس شرطاً لوجوب الزكاة على الدين القوي، بخلاف الدين الضعيف الذي ينتظر القبض.
هل تختلف طريقة حساب زكاة الديون عن زكاة الأموال النقدية العادية؟
المبدأ نفسه (2.5% من الوعاء الزكوي إذا بلغ النصاب)، لكن الاختلاف في تحديد الوعاء نفسه: الديون التي لك تُضاف بشروط، والديون التي عليك تُطرح بشروط — وهذا ما لا ينطبق على النقد الجاهز في يدك.
هل زكاة الدين نفس شيء زكاة الراتب أو زكاة الأسهم؟
لا، لكنها تدخل معها في وعاء واحد عند الحساب. زكاة الراتب تخص ما تبقى من راتبك بعد المصروفات، وزكاة الأسهم تخص ما اشتريته بنية البيع، بينما زكاة الديون تخص فقط ما لك أو عليك من مبالغ مؤجلة. الثلاثة تُجمع معاً في نفس وعاء الزكاة السنوي.
خطوة عملية تبدأ بها الآن

خذ ورقة الآن، واكتب في عمود كل الديون التي لك عند الآخرين مع تحديد حال كل مدين (قادر وملتزم، أم معسر أو مماطل)، وفي عمود آخر اكتب كل الديون التي عليك مع تاريخ استحقاق كل قسط خلال العام الحالي فقط. هذا التصنيف البسيط هو نصف الطريق في حساب زكاة الديون بشكل صحيح، والنصف الآخر هو معرفة النصاب الحالي بالسعر اليومي للذهب أو الفضة وقت إخراج الزكاة.
وإن ظل عندك تردد في تصنيف حالة معينة، فاستشارة مركز فتوى موثوق خطوة أذكى من الاجتهاد الفردي في مبلغ قد يكون كبيراً. هذا المقال معلوماتي بطبيعته ولا يحل محل فتوى شخصية دقيقة — يمكنك مراجعة سياسة التحرير والمصداقية الخاصة بالموقع لمعرفة كيف نتعامل مع المحتوى الشرعي.