قبل أسابيع، راسلني قارئ من الدار البيضاء. يملك جزءًا من راتبه في بيتكوين منذ سنتين، ولم يخرج عليه زكاة قط. لماذا؟ لأنه ببساطة لم يخطر بباله أن “الأرقام اللي في تطبيق المحفظة” تدخل ضمن حساب الزكاة أصلًا. سألته: هل تعرف قيمتها الآن بالدرهم؟ لم يكن يعرف. فتح التطبيق أمامي، وحسبنا معًا. اتضح أنه مدين بزكاة عن سنتين كاملتين.
هذا المقال هو الجواب المفصّل الذي وددت لو قرأه قبل عامين، قبل أن يتراكم عليه هذا الدين.
الخلاصة السريعة
- نعم، تجب الزكاة على العملات الرقمية إذا اعتبرتها “عروض تجارة”، أي تملكها بنية البيع والشراء وتحقيق ربح. وهذا هو الرأي الأقرب للتطبيق العملي عند من يجيزون التعامل بها أصلًا.
- لا فرق فقهيًا بين البيتكوين والإيثريوم أو أي عملة رقمية أخرى؛ الحكم يتعلق بصفة الملكية (تجارة أم لا)، لا باسم العملة.
- المسألة الأعمق – هل يجوز التعامل بالعملات الرقمية أصلًا – فيها خلاف حقيقي بين هيئات الإفتاء، وهذا الخلاف ينعكس مباشرة على مسألة الزكاة.
- تُحسب قيمة محفظتك بالعملة المحلية يوم استحقاق الزكاة (يوم تمام الحول)، لا يوم الشراء ولا بأعلى سعر وصلت إليه العملة.
- النسبة 2.5% من صافي القيمة السوقية بعد خصم الديون المستحقة، بشرط بلوغ النصاب ومرور حول هجري كامل.
- لا تعرف إن كان تداولك يُصنَّف تجارة أم ادخارًا؟ هذا التصنيف هو ما يحدد الجواب، وسنفصّله بالأسفل.
هل تجب الزكاة على البيتكوين والإيثريوم أصلًا؟
لازم نكون صريحين من البداية: المسألة فيها طبقتان، لا طبقة واحدة.
الطبقة الأولى هي حِلّ التعامل بالعملات الرقمية نفسه، وهذه محل خلاف واسع. دار الإفتاء المصرية، في فتوى موسّعة، اعتبرت تداول البيتكوين والعملات المشابهة محرّمًا شرعًا، لما فيها من غرر كبير وغياب للرقابة المالية وعدم استيفائها لوظائف النقود المعتبرة شرعًا. في المقابل، يرى علماء آخرون، من بينهم د. سالم الشيخي، عضو المجلس الأوروبي للإفتاء، جواز التعامل بها ضمن ضوابط، ويعاملونها معاملة عروض التجارة في حساب الزكاة، معتبرين أن تقلب سعرها لا يغيّر من وجوب الزكاة فيها شيئًا، لأن العبرة بقيمتها يوم الإخراج لا قبل ذلك.
الطبقة الثانية، وهي التي يخصّها هذا المقال، هي: بافتراض أنك تتعامل بها فعلًا (سواء كنت مقتنعًا بجوازها، أو ورثتها، أو تلقيتها كجزء من راتبك)، كيف تحسب زكاتها؟ هذا الجزء العملي هو ما يسألني عنه معظم القرّاء، لأن القرار الفقهي الأول اتخذوه بالفعل، وما ينقصهم هو الآلية.
بين الرأيين، أصدرت لجنة الاجتهاد والفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانًا مفصّلًا حول العملات المشفرة في خريف 2022، أوصت فيه بمزيد من الدراسة نظرًا لتعقيد طبيعة هذه الأصول. يعني حتى داخل الهيئات الجماعية، الملف لم يُغلق بعد.
نصيحتي العملية: إن كنت متحيّرًا في الجزء الأول (هل التداول حلال؟)، توجّه لدار إفتاء بلدك أو لجنة شرعية معتمدة، واسأل عن حالتك تحديدًا. أما إن كنت قد حسمت الأمر لنفسك وتريد فقط معرفة طريقة الحساب، فتابع القراءة.
كيف تحسب زكاة العملات الرقمية إذا اعتبرتها عروض تجارة؟
الأصل عند من يجيز الزكاة فيها: تُقيَّم عملاتك الرقمية بقيمتها السوقية بالعملة المحلية يوم استحقاق الزكاة، وتُضاف إلى بقية أموالك الزكوية (النقد، الذهب، أرصدة البنك)، ثم تُخصم الديون المستحقة الحالّة. فإن بلغ الصافي النصاب، أخرجت 2.5% منه.
يُقاس النصاب بقيمة 85 جرامًا من الذهب عيار 24، لأن العملات – ورقية كانت أو رقمية – لا نصاب لها بذاتها، فتُقاس على الذهب. للتأكد من احتساب النصاب بنفسك بدل الاعتماد على أي رقم جاهز، استخدم حاسبة الزكاة الرسمية التابعة للأزهر الشريف وأدخل سعر الذهب المحدّث يوم استحقاق زكاتك أنت.

مثال عملي محسوب بالتاريخ
لنفترض أن يوم استحقاق زكاتك (تمام الحول الهجري) وافق منتصف غشت 2026. في تلك الفترة، تراوح سعر جرام الذهب عيار 24 في المغرب حول 1,220-1,230 درهمًا بحسب مواقع متابعة الأسعار المحلية، ما يجعل النصاب (85 جرامًا) قريبًا من 104,300 درهم، أي ما يعادل نحو 11,100 دولار أمريكي بسعر صرف تقريبي. هذا الرقم يتحرك شبه يوميًا، لذلك لا تعتمد على الرقم المكتوب هنا – تحقق من سعر الذهب الفعلي في تاريخ استحقاق زكاتك أنت، ولو بفارق أسبوع واحد.

الآن لنفترض أن محفظتك في ذلك اليوم كانت:
- 0.1 بيتكوين، قيمتها السوقية آنذاك 38,000 درهم (رقم افتراضي للتوضيح فقط)
- 1.5 إيثريوم، قيمتها السوقية آنذاك 22,500 درهم (رقم افتراضي أيضًا)
- رصيد نقدي في حسابك البنكي: 15,000 درهم
- لا ذهب ولا ديون مستحقة
المجموع: 38,000 + 22,500 + 15,000 = 75,500 درهم. هذا أقل من النصاب (حوالي 104,300 درهم)، فلا زكاة عليك في هذه الحالة الافتراضية.
لكن لو كانت محفظتك الرقمية وحدها تساوي 90,000 درهم، وأضفت إليها 30,000 درهم نقدًا، لأصبح المجموع 120,000 درهم، وهذا يتجاوز النصاب. فتخرج 2.5% من 120,000، أي 3,000 درهم زكاة.
هذا هو جوهر الحساب كله: لا تنظر لعملاتك الرقمية بمعزل عن باقي أموالك، بل اجمعها في وعاء واحد يوم الاستحقاق.
زكاة البيتكوين مقابل زكاة الإيثريوم: هل هناك فرق حقيقي؟
سؤال يتكرر كثيرًا: هل زكاة الإيثريوم تحسب بطريقة مختلفة عن زكاة البيتكوين؟ الجواب المختصر: لا، من حيث المبدأ. الفقه لا يفرّق بين عملة وأخرى بالاسم، بل ينظر لصفة ملكيتك لها: هل هي للتجارة أم للاقتناء طويل الأمد؟
نقطة واحدة تخص إيثريوم تحديدًا وتستحق وقفة: الستاكينغ (Staking)، أي إيداع عملاتك لتحصل على مكافآت دورية. عند من يقول بوجوب الزكاة، تُعامَل هذه المكافآت كربح جديد يُضاف إلى رصيدك يوم استحقاقها، وتدخل ضمن وعاء الزكاة مثل أي زيادة أخرى في المحفظة. لا تحتاج حسابًا منفصلًا، فقط تُقيَّم وتُضاف مع الباقي.
متى يبدأ حولان الحول على محفظتك الرقمية؟
يبدأ الحول من اليوم الذي ملكت فيه أول مبلغ بلغ به مجموع مالك النصاب، لا بالضرورة من يوم شراء أول عملة رقمية. إن كنت تملك بالفعل نقودًا أو مدخرات بلغت النصاب من قبل، فشراؤك للعملات الرقمية لاحقًا لا يفتح حولًا جديدًا، بل يستمر الحول القائم أصلًا. أما إن كانت العملات الرقمية هي أول أموالك التي بلغت النصاب، فالحول يبدأ من يوم بلوغها ذلك.
للتوضيح: لو كنت تتابع مسبقًا كيف تُحسب زكاة راتبك الشهري، فالمنطق نفسه ينطبق هنا. التراكم هو ما يُتابَع، لا كل معاملة بمفردها.
ماذا لو كانت عملاتك الرقمية للاستثمار طويل الأمد، لا للتداول؟
هذه نقطة يخطئ فيها كثيرون. إن كنت تشتري بيتكوين أو إيثريوم بنية الاحتفاظ بها سنوات – مثل من يشتري سبيكة ذهب ويضعها في الخزنة ولا ينوي بيعها – فبعض الفقهاء يفرّقون بين “عروض التجارة” (ما يُقتنى بنية البيع) و”الأصول المقتناة للاستخدام أو الادخار البحت”.
لكن الرأي الأقرب للاحتياط، والذي تجده في نقاشات مشابهة حول زكاة الأسهم وصناديق الاستثمار، هو أن أي أصل مالي قابل للتسييل بسهولة، ويُحتفظ به بنية تنمية المال، تجب فيه الزكاة كأصل استثماري، لا فقط كسلعة تجارية بالمعنى الضيق. الاحتياط هنا في مصلحتك أنت لا ضدك، لأن مسائل الذمة المالية يُستحسن فيها الحذر.
أخطاء شائعة عند حساب زكاة العملات الرقمية
- تجاهلها لأنها “غير ملموسة”: كثيرون يزكّون على النقد والذهب وينسون تمامًا ما في محافظهم الرقمية، وكأن الشاشة تجعل المال أقل واقعية.
- الخلط بين محفظتين مختلفتين: محفظة تداول نشط ومحفظة ادخار طويل الأمد، دون فصل واضح بينهما في حسابك الشخصي، يعقّد الحساب دون داعٍ.
- عدم خصم الديون قبل الحساب: من يتداول بالرافعة المالية (margin trading) وعليه التزامات مستحقة، ثم يحسب الزكاة على القيمة الإجمالية دون خصم الدين، يزكّي على مال ليس ملكه فعليًا. راجع طريقة حساب زكاة الديون قبل أن تحسم الرقم النهائي.
- الاعتماد على سعر الشراء بدل سعر يوم الاستحقاق: العملة التي اشتريتها بـ 10,000 درهم قد تساوي اليوم 25,000 أو 4,000، والعبرة بقيمتها الآن، لا بما دفعته.
- نسيان مكافآت الستاكينغ والتعدين: هذه الإضافات الصغيرة تتراكم عبر الشهور، وتجاهلها يعني إخراج زكاة أقل من الواجب دون قصد.
أسئلة شائعة
هل تجب الزكاة على البيتكوين؟
عند من يجيز التعامل بالعملات الرقمية أصلًا، نعم، تجب الزكاة عليها إذا بلغت مع باقي أموالك النصاب وحال عليها الحول، وتُحسب بنفس منطق عروض التجارة أو الأصول الاستثمارية.
كيف احسب زكاة العملات الرقمية بدقة؟
تجمع قيمة كل عملاتك الرقمية بالعملة المحلية يوم الاستحقاق، تضيفها لباقي أموالك الزكوية، تخصم الديون المستحقة، وإن بلغ الصافي النصاب تخرج 2.5% منه.
هل زكاة الإيثريوم تختلف عن زكاة البيتكوين؟
لا فرق من حيث المبدأ الفقهي، باستثناء أن مكافآت الستاكينغ الخاصة بالإيثريوم وعملات مشابهة تُضاف كزيادة في وعاء الزكاة عند استحقاقها.
هل تجب الزكاة على العملات الرقمية المجمّدة في محفظة دون تداول نشط؟
نعم عند غالب من يقول بوجوب الزكاة فيها، طالما أنها أصل مالي قابل للتسييل ومملوك لك بنية تنمية المال، حتى لو لم تُجرِ عليها عمليات بيع وشراء متكررة.
متى يُعتبر مالي قد بلغ النصاب إذا كان موزعًا بين محفظة رقمية وحساب بنكي؟
تُجمع كل الأصول الزكوية معًا – نقدًا كانت أو ذهبًا أو عملات رقمية – وتُقارن بالنصاب كوعاء واحد، لا كل أصل بمفرده.
خطوتك التالية
افتح تطبيق محفظتك الرقمية الآن. اكتب في ملاحظات هاتفك قيمة كل عملة تملكها بالدرهم أو الريال أو الدولار، بجانب رصيدك النقدي وأي ذهب تملكه. اجمعهم في سطر واحد، وقارن المجموع بالنصاب المحدث. هذه الخطوة، خمس دقائق لا أكثر، هي ما يكشف إن كنت مدينًا بزكاة لم تخرجها أصلًا – مثل قارئي من الدار البيضاء.

تنويه
هذا المقال معلومات عامة، وليس فتوى فردية أو استشارة مالية مرخّصة. في مسألة حِلّ التعامل بالعملات الرقمية أصلًا هناك خلاف واسع بين أهل العلم، وفي تفاصيل حالتك الخاصة، استشر جهة إفتاء معتمدة أو مستشارًا ماليًا مؤهلًا قبل اتخاذ أي قرار.